القصص

عم صابر باع عياله

عم صابر.. رجل طاعن بالسن، محبوب من جميع جيرانه وله سمعة طيبة بالمنطقة..

عم صابر، عامل نظافة.. بيشتغل باليومية على باب الله..

كان يأتي يجمع القمامة من البيت عندنا ومن الشارع 3 مرات بالأسبوع، وكان يقبل أي أجرة تُدفع له..

لم يطالب بأي زيادة بأجرته رغم فقره وحاجته الشديدة للمال..

عم صابر أباً لخمسة أبناء، ويعول حماته علاوة على زوجته بالطبع.

كان يقيم مع أسرته الكبيرة هذه بحجرة واحدة وبحمام مشترك.

وكان قنوعاً بما قسمه الله له، وكان دائماً يردد: “الدنيا أرزاق مشغلها الرزاق”..

وكان بعض القادرين يتعاطفون مع حالته ويعطوه مافيه النصيب من بعض المال والأطعمة والملابس.

وفجأة اختفى عم صابر.. مرت أسابيع طويلة لم يراه أحد، ولم يحضر لجمع القمامة كعادته..

بدأت أسال عنه الجيران ومعارفه وجيرانه، فعلمت أنه مرض بفيروس الكورونا، وتم احتجازه بالمستشفى، وأن أسرته وأولاده كانوا يتضرعون جوعاً ويضطرون للأكل من صناديق الزبالة حتى لا يموتون جوعاً.

وفوجئت بأحد جيراني يصدمني بخبر قاسي جداً، وأنه عم صابر قام ببيع اثنان من أولاده لأحد أثرياء دولة الإمارات بالخليج.

اعتقدت أن الخبر نكتة أو دعابة، لكنه أقسم لي على ذلك.

فسألته وكيف حدث هذا؟َ

قال جاري: تطوع شاب يعمل بسايبر، وهو من جيران عم صابر، بنشر صور أبنائه على النت وعرضهم للبيع بدول الخليج، وبالفعل اشتراهم إماراتي ثري، وذلك بعدما اضطر عم صابر لذلك لمرضه الشديد وعجزه عن العمل، وتحت ضغط جوع أولاده وحاجتهم للمال، اضطر لبيع اثنان منهم.

حزنت أشد الحزن على حال عم صابر وكيف وصل به الحال بيع فلذات أكباده مقابل المال، رغم الحاجة الشديدة للمال، فإني كنت دائماً أتذكر مقولة عم صابر: “الدنيا أرزاق.. ومشغلها الرزاق”.

بحثت عن عم صابر حتى وجدته، وأخبرته بأن يتراجع عن بيع أولاده.

فقال لي عم صابر: شوف يا أستاذ، ربنا يكفيك شر الحاجة، أولادي دلوقتي بيربيهم واحد غني، وهيعوضهم عن الفقر اللي شافوه معايا، وبعدين أنا معملتش حاجة غريبة ولا جديدة.. فيه ناس كتير دلوقتي في كل حتة في مصر.. اللي بيبيع كليته وأعضائه ودمه، واللي باعوا عيالهم زي حالاتي عشان يقدروا يعيشوا…

وقالي عم صابر بحزن وقهر شديد: يا أستاذ أولادي مش هيقدروا يعيشوا معايا بالفقر ده ولا هيستحملوا الأيام السوده اللي جاية، مفيش فلوس يتعلموا ولا يأكلوا ولا يلبسوا ولا يتعالجوا.. أنا عملت كده عشانهم هم، وربنا يسامحني ويعوضهم عني خير براجل تاني غني ومقتدر.

سرحت، وتذكرت مناظر الناس الغلابة وهم بياكلوا وبيناموا في الزبالة، فقلت في نفسي: عنده حق.. عضة الفقر محدش يستحملها.. خصوصاً في تلك الأيام السوداء التي يزداد فيها الفقير فقراً.. ويزداد الغني غنى.

وتذكرت قول الله عز وجل: “أزفت الآزفة.. ليس لها من دون الله كاشفة”.

فظللت أردد: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى